عمى مؤقت – قصة قصيرة – آلاء عبدالسلام

آلاء عبدالسلام


ذلك اليوم ، المطر و الشتاء الحاني على الرغم من برودته ، و حمار خديها و طلاء الأظافر الذي أظهر طفولة أنوثتها ، معطفها الأسود ، و جاكيته الرمادي ، وألوان القلب التي تضادت مع الشتاء و البهتان ..يذكر الدائرة المزيّنة التي أُلصقت إلى الزجاج باللون الأحمر عليها شجرةٌ مزخرفةٌ بالأخضر ، كلون وجنتيها و قلبها تماما .. ابتسامتها الواسعة و عيناها الضحوكتان .. الفرحة الخالصة ، تشبث اليدين الذي يقول بوضوح لقينا بعض .. كما تقول كلمات الأغنية التي تصدح بها ميكروفونات المطعم .. نظرات الجرسون الجريئة التي لم تفلح في كتم الحب في أعينهما .. كم كان الخجل مذموما وقتها ، كان في اتحاد المشاعر قوة تطغى على نظرات الناس ..بوده لو صرخ بهم : “ما بالكم يا حمقى .. سويعات قليلة تبخلون بها على قلوب عطشى ؟”الصبرُ جميلٌ طعمه ، من قال أن به مرارة ؟! كيف تكون به مرارة إذ كانت نتيجته أن يغيب في هاته العينين ؟! مرت الساعاتُ كالدقائق و الدقائق كالثواني و كان حتماً عليهما أن يعودا .. و لكن طعم الفرحة استقر في قلبه فأنساه أي شقاء قد مر به يوما ، لم تترك يدها يده في طريق العودة .. هكذا كان ذلك اليوم في الماضي ..و الآن .. الآن .. شتان بين ماضٍ و حاضر ، بين الآن و الأمس .. عجيبٌ أن تمر الدقائق كالثواني في لحظات بعينها ثم تمر الثواني كالأيام في لحظات أخرى ، غريبٌ الزمن عندما يصبح متعاكساً مع مشاعرنا فيحيل اليبس أخضرا و الأخضرَ يبَسا .. أيبكي إنسانٌ عاقل بمجرد النظر إلى يديه ؟! هو يفعل .. فقد كانت تقول له دائما أن تفاصيل أيديهما متشابهة إلا أن يديه أكبر .. الأصابع و الأظافر و شكل اليد ! -هذه علامة .. يقول ضاحكاً فتضحك عيناها و شفتاها و وجهها و روحها ، يدق قلبه ..- ابتسامتك تضيء كلَ الكون .. بلا مبالغة قالها ، بلا مجاملة ، هذه حقيقة واضحة كالشمس جليّة كالقمر .. أليس هذا واضحا من الصورة التي نزلت دموعه عليها فبللت الهاتف ؟! حتى هذا السور الذي يستند إليه استندا إليه معا .. و كما ذكر ابتسامتها ذكر عبوسها ، و كما ذكر حنانها ذكر جفاءها ، و كما ذكر حبها ذكر خيانتها .. أكانت تلك خيانة ؟ لا يدري حقا ، و لكنها كل مرة تعود ، تبكي و تطلب المساعدة .. تقول في إصرار : – سأنساه بك آهٍ كم حيرته تلك الكلمة ! أيفرح ؟ أيغضب ؟ يغلب غضبه فرحه إذ يقول : – أنا لست مادة للنسيان ! -حبي لك هو المسيطر علي حياتي .. – و قلبك ؟ – أنت مستقبلي -وقلبك ؟ – أنت الكامل المكمل ليس بك لمحة من دناءته ..يصرخ بها : – و قلبك ؟! ماذا عن قلبك ؟! تبكي و لا ترد ، و يحتضنها بلا وعي ، تقول هامسة :- وقلبي . فقط تلك الكلمة ، يرضى بها ، على الرغم من احتمالها عدة معانٍ ، على الرغم من المعنى الذي شعر به في قلبه هو .. أعماه حبه لها ؟! أم اختار أن يكون بإرادته أعمى ؟! كان يعلم أنه أعمى ولكنه كان يدرك أنه لن يتحمل حجم الجرح لو أبصر ، لذلك اختار أن يثق بها ، أن يصدق أن في قدره شيئا جميلا سيجعل حبها له يصبح حقيقيا حتى وإن لم يكن ..و هذه الثقة هي ما أسلمته إلى الألم ، الألم الخام الذي يشعر به الإنسان في قلبه فيدرك معناه في عقله بشفافية تهتك الروح نفسها .. أياماً قضاها في غرفته ينظر للفراغ ، لا يصدق غباءه و لا يصدق خيانتها و لا يصدق أي شيء ، حتى اللحظة التي يعيشها لا يصدقها ، لابد أن هذا كله وهم ، كابوس سيستيقظ منه في أي لحظة .. أين كانت بداية الكابوس ؟! صعبٌ أن يحدد ذلك و لكنها ربما كانت منذ زمن بعيد ، ربما منذ عرفها ، أو ربما منذ قرر أن يعمي نفسه عن ترددها و حيرتها في حبه و ربما لم يكن له بداية أو نهاية ، لكنه يذكر أنها كانت تتغير باستمرار ، مشاعرها تتردد بين الشوق و الجفاء ، البرود و اللهفة ، الحب و الا حب ..-ابتعد عني لفترة .. لأعود لك إلى الأبد – لا أستطيع ، أخاف ألا تعودي – لأجلي ، أعدك أن أعودو لأجلها ابتعد ، كان واثقا أنها ستعود ، هي أرق من أن تغدر ، أرقى من أن تخون ، كان يشغل نفسه كل الوقت كي يخفف من حدة الاشتياق ، اتفق ذات يوم مع صديقٍ له على اللقاء في مقهى ما ، فكر انه ربما لو اختلط بالناس ينسى لو قليلا ، تأخر عليه صديقه فترك سيارته و دخل من الباب ، و ما إن دخل حتى تمنى لو لم يخرج من داره مطلقا ، ظن أنه يتعافى من شوقه لها و لكن الشوق بداخله تحول إلى غضبٍ حارق فعندما دخل من باب المقهى.. كانت جالسةً هناك , هي ذاتهَا .. لكن شخصًا ما كان يجلس على المقعد المقابل لهَا ..اقترب منها في انفعالٍ غاضب و أمسك بذراعهَا صارخًا :- من هذا ؟!ولم ينتظر أن يسمع الإجابة ، كلُ شيء كان واضحا في عينيها ، خرج من باب المقهى فكأنما خرج من الحياة ..الصبرُ مرٌ طعمه ، من قال أن الصبر جميل ؟! كيف يكون جميلاً إذ كانت نهايته ذلك الألم ؟! لبثت أياما لا تسأل حتى ان كان حيا أو ميتا ، ثم اتصلت به فلم يرد على مكالماتها ، حتى وجدها أمامه في بيته ، أدخلتها أمه إلى غرفته ، كانت تعلم أن روحه لن تُرد إلا بها .. أشاح بوجهه عنها فلمست أنامله ، بكت بصوت مكتوم ، سمع منها كل الكلام الذي توقع سماعه .. – لقد تركني مرة أخرى ، أعلم أنك ستقول لي أنك كنت تتوقع هذا ، أذكر تحذيرك لي عندما قلت : ” من تركك مرة سيتركك ألف مرة ” و لكني لم أتعظ ، انا لا أعلم لماذا أفعل ذلك ، أنا أحبك ، سامحني .. استندت إلى ركبته و زاد بكاؤها ، وضع يده على شعرها ، لا يعلم كيف ، لا يعلم لماذا ، لا يعلم ما هذه اللعنة التي أصابته بها ، و لكن شيئا أخضرا في قلبه بدأ ينمو مرة أخرى عندما نظر إلى عينيها و لم يستطع أن يقاوم لهفته إلى هذا الشيء الأخضر ! كان متحفظا قليلا في بداية أيام صلحه معها ، ثم ازداد نمو النبتة قليلا فأصبح أقل تحفظا ، ثم نمت النبتة إلى حد معقول فعاد حبه لها ، ثم كبرت النبتة و كبر حبه لها حتى فاض عما كان .. و كلما كبرت النبتة في قلبه صغرت النبتة في قلبها .. و اكتشف أنه أحمق ، كيف يقول لها كلاما لا يطبقه على نفسه … ” من تركك مرة سيتركك ألف مرة ” وهي تركته الف مرة ، و عندما جاءت المرة الألف وواحد لم تعد إلى من ادعت انها تنساه به ،بل هاجرت بعيدا عنهما معا إلى أرض جديدة ، و كأن كل الحب حلال إلا حبه حرام ، من تنسى هذه المرة ؟! بمن تنسى من ؟! و لماذا ؟! لم يشغل باله بالجواب على أسئلته الحمقى التي لا فائدة تُرجى منها ..و لكنه تلك المرة و عندما مر من نفس المكان رأى كل التفاصيل مرة أخرى ، المطر ، البرد الحاني ، نظرة الجرسون الفضولية و الدائرة الحمراء المزينة بالأخضر تماما كلون قلبها القاسي المخادع .. و لكنه لم يرها ، رأى نفسه وحيدا بين كل هذه التفاصيل ، كأنه خلق وحده كما مات وحده .

  • Related Posts

    كتاب “وبينهما حياة” لمجموعة من الكتاب عن دار السراچ

    مجموعة قصصية تنطلق من ثلاث محطات كبرى في رحلة الإنسان: الميلاد، الزواج، والنهاية. وبين هذه المحطات الثلاث تمتد الحياة بكل ارتباكها، دهشتها، انكساراتها، وخيباتها الصغيرة التي تصنعنا بقدر ما تصدمنا.…

    حكاية درويش – شعر عامي – هانية جمال الدين

    هانية جمال الدين رزق الكلام خباه السكاتموجود وبرده مالوش حضورإنسان مفيش ليه إسقاطاتومثالى ومصدق ده دور! صمت الوجع مليان اهاتوده شئ ماينفيش الشعوركل اللى عاش علشانه ماتومفيش في قلبه غير…