تحرّر روح – قصة قصيرة – يمنى حاتم

يمنى حاتم

سماء قاحلة، وغيوم مُكَدَّسة، ضباب كثيفٌ، يحبسني داخله، أشعرُ بالغثيان، أَلتفُ في دائرة، وحدي حائرة، عن التوقفِ عاجزة.

أشتاقُ ليومٍ مستقرٍ، لا تتأججُ عواصفه، حيثُ لا أكونُ ضائعة، لا أدري حقًا…. أكان ذلك اليومُ من ماضٍ لن يعود؟ أم أنه في مستقبلٍ ينتظرني؟

تائهة في عقدي الثالث، ألاحقُ عشريناتي، أضناني الركض خلفها، كنتُ أُحاولُ سبقها، لكنني لم ألحقْ بها؛ فطحنتني أسفلَ أقدامها.

أتساءل في نفسي؛ أتلك النهاية؟ أم أنني سأنهضُ مجددًا؟ أنقشُ على الورق حروفي الضائعة؛ لعلي أجد نفسي بينها، فأعانقها ولو لمرة واحدة.

تلك النسخة التي لطالما تخيلتها، إمرأة قد نال الشيبُ من مظهرها، لكنه لم ينلْ من قلبها، هكذا تخيلتها دائمًا، النسخة المستقبلية من نفسي الحائرة.

ونفسي الحاضرة عليلٌ قلبها، تتساءل إن كانتْ ستُشفى مجددًا؛ فتقابلَ تلك النسخة المُتَخَيَّلة، بداخلي اعتقاد… فربما أشيخُ بالعكس؛ فيخفتُ لمعانُ الشبابِ، ويتوهجُ الشيبُ بالأضواء، بعد الكثير من المحاولات؛ لإصلاح الذات.

أكتبُ لتلك المرأة؛ لأقول لها: أرأيتي كل ما أفعله لأجلنا؟ أرجو أنني كنتُ كافية، وسددتْ محاولاتي أهدافها.

أرأيتي نجاحاتنا؟ ربما لا أؤمنُ بها الآن جيدًا، لكنني أظنها قد أظهرتْ غرضها، في مستقبلٍ لا أراه، لكنكِ تمكثين هناك، تُشاهدينني من خلفِ نافذة الزمن.

أرأيتي ما تجرعته من ألمٍ؟ كم تحملتُ من أسى! كم ركضتُ خائفة! كم بكيتُ آسفة! وكم حَمَلتُ من غضبٍ!

عانيتُ الكثير من الظلمِ، مُطفئة جراحي المتأججة، بمياه الصبرِ الجارية، تحملتُ ملوحة انتظارها، تأكل حوافها، تزيد من التهابها، لكنني تحملتُ؛ فبعضُ الأوجاع تزدادُ إيلامًا، كلما حاولتَ شفاءها، فلتفخري بنا! فذلك انتصارٌ من انتصاراتنا!

لكن لم تكن حياتي نصرًا دائمًا؛ فبعضُ التجاربِ تحملُ خسائرها اللازمة، أصابني الإحباط بسهامه الناصبة؛ فكنتُ هدفًا واضحًا، فهشاشة الروح قد تكشفُ أغوارنا.

استسلمتُ للحياة، تجرفني في تيارها، دون أي مقاومة واضحة، توقفتُ عن التجديف، لم أستطعْ حينها دفعَ ذلك الثقلَ، يجثمُ على صدري، فجعلَ قلبي خافتًا، لم يكن ميتًا، لكنه كان هادئًا، هدوء مقيتٌ، يخبئ خلفه صرخاتٍ قاتلة.

أعترفُ لكِ بإخفاقي حينها، لكن لازال لدي ذلك الأمل، بأنكِ قد تسامحينني، أن تتجاوزي زلاتي الماضية، فترينَ فيها مغزًى واضحًا، فتقولين حينها: كان ذلك الأمر لازمًا، لا بد من حدوثه؛ كي أتعلمَ جيدًا.

وضعتُ قلبي على الورقِ، أناظرُ السحب الغائمة، لا أتوقفُ عن التفكير مطلقًا، رأيتُ تلك الأحرف تخرجُ من رأسي، تطوفُ في الهواء، تتشكلُ في تلك الكلماتِ التي حررتها، نظرتُ لها بذهولٍ؛ فوجدتها تحدقُ بي، وكأنها كانتْ تراني دائمًا، تباعدتْ السحبُ؛ فرأيتها…. نعم! إنها هي! ليستْ كما تخيلتها تمامًا، لكن قلبي عرفها، قلتُ لها لعينين دامعتين: أحقًا فعلتها؟! فقالتْ لي و الابتسامة لا تُفارقُ ثغرها: بل فعلناها معًا!

كانتْ كلماتها كنسيمٍ لروحي، هدَّأ عاصفة قلبي الجائحة، رأيتها تختفي، فعهدتُ لنفسي ألا أتوقفَ عن السعي؛ كي يتجددَ اللقاء مجددًا، ويحول المستقبلُ حاضرًا محققًا.

Related Posts

كتاب “وبينهما حياة” لمجموعة من الكتاب عن دار السراچ

مجموعة قصصية تنطلق من ثلاث محطات كبرى في رحلة الإنسان: الميلاد، الزواج، والنهاية. وبين هذه المحطات الثلاث تمتد الحياة بكل ارتباكها، دهشتها، انكساراتها، وخيباتها الصغيرة التي تصنعنا بقدر ما تصدمنا.…

حكاية درويش – شعر عامي – هانية جمال الدين

هانية جمال الدين رزق الكلام خباه السكاتموجود وبرده مالوش حضورإنسان مفيش ليه إسقاطاتومثالى ومصدق ده دور! صمت الوجع مليان اهاتوده شئ ماينفيش الشعوركل اللى عاش علشانه ماتومفيش في قلبه غير…