في مدينة تتنفس الظلال وتقتات على الخيانة، وتئن تحت وطأة الذكريات القاسية ، تنسج لنا “ملحمة قلب في الذاكرة” قصة رجل سحقته الحياة بيدها القاسية، لكنه نهض من بين الركام ليعيد تشكيل مصيره بيديه. إنه حمدان، ذلك الشاب الذي دفع ثمن ثقته العمياء بأصدقاء ظنهم أوفياء، لكنه وجدهم ذئابا تنهش أحلامه وتدفعه نحو الهاوية.
بين خيانة الصديق جعفر، الذي كان ذات يوم أقرب من شقيق، وخيانة الحبيبة خديجة التي اختارت المال على الحب، وجد حمدان نفسه متورط في لعبة قاسية انتهت بعشر سنوات ثقيلة خلف القضبان. الرواية تأخذنا في رحلة عبر ذكريات الألم والخيانة، حيث تتشابك خيوط الماضي مع الحاضر، لتكشف عن وجه مدينة تئن تحت وطأة الفساد والجشع. لكن السجن لم يكن نهاية حمدان، بل بداية جديدة لرجل خرج من ظلمة الزنازين، ليس فقط ليستعيد ما سُلب منه، بل ليعيد رسم ملامح العدالة والانتقام بنفسه. تتصاعد وتيرة الأحداث مع صراع محموم بين حمدان وجعفر، صراع يكشف عن أسرار مدفونة ووجوه مزيفة لطالما اختبأت خلف أقنعة من الطيبة . جعفر، الرجل الذي بنى مجده على أنقاض أصدقائه، يجد نفسه أخيرًا في مواجهة رجل لم يعد لديه ما يخسره. بينما تخوض خديجة، تلك الحبيبة الخائنة، رحلة سقوط مدوية تقودها إلى حياة من التشرد والجنون .
وفي خضم هذه الملحمة، نرى حمدان يخطط بذكاء وجرأة للإطاحة بأعدائه. يكشف كل أوراق اللعبة، لتسقط إمبراطورية جعفر التي بناها على الدماء والخيانة. في ليلة مشحونة بالتوتر، يتم القبض على جعفر ورجاله، وتصُادر ثرواته، بينما تختفي خديجة في زوايا المدينة المظلمة، وتنتهي بحادث مأساوي يضع حدًا لمعاناتها .
لكن رغم انتصار حمدان، يختار أن يترك كل شيء خلفه. يختفي في صمت، تاركًا المدينة تروي حكايته.
لا أحد يعرف إلى أين ذهب، ولا إن كان سيعود يومًا. صار شبح يعيش في ذاكرة كل من عرفه، رجل واجه الماضي بجرأة، لكنه رفض أن يكون أسيرًا له “ملحمة قلب في الذاكرة” ليست مجرد رواية عن الانتقام أو الخيانة، بل هي انعكاس للصراع الإنساني بين العدالة والشر، بين الكرامة والانكسار. هي قصة عن قوة الإرادة، وعن ذلك النور الخافت الذي يمكن أن ينبثق حتى من أحلك اللحظات. ورحلة شاقة نحو التحرر من القيود، والتصالح مع الجراح، وقصة إنسانية تسلط الضوء على الصراع الأزلي بين الظلم والخير. رؤية نقدية تقوم الرواية، على حبكة تقليدية ناجحة تعتمد على الصعود من القاع، وهي ثيمة انسانية مؤثرة تمتلك قدرة فطرية على جذب القارئ. اختيار بطل محطم ثم معاد تشكيله يمنح العمل بعدا ملحميا واضحا، ويهيئ لمسار نفسي غني بالتحولات والانكسارات ثم النهوض.
من ابرز مميزات الرواية ان الخيانة ليست حدثا عابرا بل محورا بنيويا تتحرك حوله الشخصيات والاحداث، خيانة الصديق والحبيبة تتحول الى قوة دافعة للسرد، لا بوصفها صدمة فقط بل بوصفها محركا للوعي والنضج. هذا يمنح الرواية تماسكا موضوعيا واضحا ويجعل كل ما يحدث لاحقا نتيجة منطقية لما سبق.
الزمن السردي يبدو متشابكا بين الماضي والحاضر، وهو خيار جيد يسمح بتكثيف الذاكرة بوصفها بطلا موازيا، حيث لا يروى الالم دفعة واحدة بل يتكشف عبر استرجاع تدريجي.
هذا الاسلوب يضيف عمقا نفسيا ويمنح الرواية فرصة لاستثمار التوتر العاطفي دون افتعال.
المدينة في الرواية ليست مجرد خلفية مكانية، بل كيان حي يتنفس الفساد والجشع والخيانة، وهو توظيف ذكي للمكان بوصفه شريكا في صناعة المأساة. هذه النظرة تمنح العمل بعدا اجتماعيا يتجاوز قصة فردية الى نقد واقع اوسع. شخصية حمدان مرسومة على هيئة بطل تراجيدي يتحول الى قوة عدالة خاصة، وهو نموذج جذاب اذا ما كتب بوعي، لان الصراع بين الانتقام والعدالة يمنح الرواية توترا اخلاقيا واضحا.
المميز هنا ان النهاية لا تكتفي بانتصار مباشر، بل تختار اختفاء البطل، وهي نهاية موحية تضيف غموضا وتفتح باب التأويل بدل الاغلاق الحاسم. وجود مصائر متباينة للشخصيات الاخرى يعزز فكرة الكارما الدرامية، حيث ينال كل طرف نتيجة افعاله، دون ان تتحول الرواية الى خطاب وعظي مباشر. سقوط خديجة التدريجي على وجه الخصوص يقدم نموذجا لانهيار داخلي اكثر منه عقابا سطحيا.
الرواية تبدو غنية بالاحداث، لكنها تحافظ على خط رئيسي واضح هو المواجهة مع جعفر، ما يمنع التشتت ويضمن وحدة الصراع.
كما ان تصاعد المواجهة وصولا الى ليلة القبض عليه يمثل ذروة تقليدية لكنها فعالة سرديا.
من المميزات ايضا ان الرواية لا تتوقف عند فكرة الانتقام بوصفه نهاية، بل تذهب الى ما بعده، الى فكرة التحرر من الماضي، وهو مستوى اعمق من مجرد استرداد الحق. اختيار ان يختفي حمدان بدلا من الاحتفال بانتصاره يعطي الرواية مسحة فلسفية جميلة حول معنى الخلاص الحقيقي.
بوجه عام، فإن رواية ” ملحمة قلب في الذاكرة”، ذات نفس ملحمي واضح، حبكتها مشوقة، وشخصياتها قابلة للتطور الدرامي، وتحمل بعدا انسانيا واجتماعيا متماسكا، مع قدرة جيدة على المزج بين الاثارة والتأمل النفسي.







